الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

152

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي أنّ ذلك كان للّه بهدي من اللّه وأمر منه ، فرجع إلى قوله : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الأنعام : 161 ] يعني أنّه كما هداه أمره بما هو شكر على تلك الهداية ، وإنّما أعيد هنا لأنّه لما أضاف الصّلاة وما عطف عليها لنفسه وجعلها للّه تعالى أعقبها بأنّه هدي من اللّه تعالى ، وهذا كقوله تعالى : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [ الزمر : 11 ، 12 ] . وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار إليه . وقوله : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مثل قوله : وَبِذلِكَ أُمِرْتُ خبر مستعمل في معناه الكنائي ، وهو لازم معناه ، يعني قبول الإسلام والثّبات عليه والاغتباط به ، لأنّ من أحبّ شيئا أسرع إليه فجاءه أوّل النّاس ، وهذا بمنزلة فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكّن والترجّح ، كما قال النّابغة : سبقت الرّجال الباهشين إلى العلا * كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد لا يريد أنّه كان في المعالي أقدم من غيره لأنّ في أهل المعالي من هو أكبر منه سنّا ، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح ، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من نوال العلا وأصبح الحائز له والثّابت عليه . و في الحديث : « نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة » . وهذا المعنى تأييس للمشركين من الطّمع في التّنازل لهم في دينهم ولو أقلّ تنازل . ومن استعمال ( أوّل ) في مثل هذا قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ، كما تقدّم في سورة البقرة [ 41 ] . وليس المراد معناه الصّريح لقلّة جدوى الخبر بذلك ، لأنّ كلّ داع إلى شيء فهو أوّل أصحابه لا محالة ، فما ذا يفيد ذلك الأعداء والأتباع ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتّبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى اللّه تعالى لم يستقم ، لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مسلما وكان بنوه مسلمين ، كما حكى اللّه عنهم إذ قال إبراهيم عليه السّلام : فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 132 ] وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * [ البقرة : 136 ] . وقرأ نافع وأبو جعفر - بإثبات ألف « أنا » إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدّها على قاعدة المدّ ، وحذفها الباقون قبل الهمزة ، واتّفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفا جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو : « أنا يوسف » واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل ، وأحسب أنّ الأفصح إثباتها مع الهمز للتّمكّن من المدّ .